ابن كثير
175
السيرة النبوية
سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال : " هل لكم في خير مما جئتم له " ؟ قال قالوا : وما ذاك ؟ قال : أنا رسول الله إلى العباد ، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل على الكتاب . ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن . قال : فقال إياس بن معاذ ، وكان غلاما حدثا : يا قوم هذا والله خير مما جئتم له . فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا . قال : فصمت إياس ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج . قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك . قال محمود بن لبيد : فأخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات ، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما ، لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع . قلت : كان يوم بعاث ، وبعاث موضع بالمدينة ، كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم ، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل . وقد روى البخاري في صحيحه ، عن عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أمامة ، عن هشام ، عن أبيه عن عائشة قالت : كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملؤهم وقتل سراتهم .